رحلة التحول: صراع الأرقام وصناعة المستقبل
المقاربة التاريخية والمفاهيمية للتخطيط الترابي في المغرب
شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في الثامن عشر من ماي سنة 2005 حدثاً مؤسساً في تاريخ السياسات العمومية بالمملكة المغربية، حيث دشن انتقالاً استراتيجياً من التدبير المركزي العمودي للملفات الاجتماعية إلى هندسة تنموية أفقية تضع العنصر البشري في صلب أولوياتها.
وفي سياق مأسسة هذا الفكر التخطيطي، عرفت القوانين التنظيمية للمملكة تحولات هامة؛ حيث نص الميثاق الجماعي لسنة 2009 في مادته السادسة والثلاثين على إلزامية إعداد "المخطط الجماعي للتنمية" لمدة ست سنوات كوثيقة تحدد الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة.
وتحقيقاً للشفافية وتكريساً للديمقراطية التشاركية، أخضع المشرع مسلسل إعداد برنامج العمل لمساطر قانونية صارمة حددها المرسوم رقم 2.16.301 الصادر في 29 يونيو 2016.
صراع الأرقام: تشريح نقدي لمؤشرات التنمية البشرية والقدرة الشرائية
تكشف قراءة المعطيات الإحصائية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمندوبية السامية للتخطيط عن صراع أرقام حاد يعكس الفجوة بين الطموح التخطيطي والواقع المعيش.
ويبرز التفاوت الصارخ أيضاً في مؤشر عدم المساواة بين الجنسين؛ إذ يحتل المغرب المرتبة 113 عالمياً بمؤشر يبلغ 0.539، حيث يسجل دليل التنمية البشرية للنساء 0.642 مقابل 0.748 للرجال.
| المؤشر التنموي والاقتصادي | القيمة المسجلة | دلالات المؤشر وأثره الهيكلي |
| دليل التنمية البشرية الإجمالي (HDI) | 0.710 | تصنيف المغرب في المرتبة 120 عالمياً ضمن فئة التنمية المرتفعة |
| الهدر التنموي الناتج عن الفوارق | 25% | نسبة الفرص التنموية الضائعة بسبب التفاوت في الدخل |
| دليل التنمية البشرية الخاص بالإناث | 0.642 | يعكس ضعف النشاط الاقتصادي وتدني الأجور الموجهة للنساء |
| دليل التنمية البشرية الخاص بالذكور | 0.748 | يظهر تمركز الفرص الاقتصادية والتشغيلية لدى الرجال |
| مؤشر عدم المساواة بين الجنسين (GII) | 0.539 | تصنيف المغرب في المرتبة 113 عالمياً في الفوارق الجندرية |
| معدل تراجع القدرة الشرائية (2020) | -5.4% | انكماش حاد في مستوى الرفاه المتوسط للمواطنين |
| معدل تراجع القدرة الشرائية (2022) | -2.5% | تآكل إضافي ناجم عن الموجة التضخمية والظروف الجيوسياسية |
| معدل النمو السنوي المتوسط للدخل | 2.3% | نسبة غير كافية لإحداث تحول حقيقي في المعيش اليومي |
| الدخل الخام المتاح للفرد (2022) | 24,800 درهم | يعكس القيمة الاسمية المتوسطة للدخل قبل احتساب التضخم المرتفع |
تؤكد هذه البيانات الإحصائية أن السياسات العمومية المتبعة لم تنجح بشكل كامل في تحويل المنجزات الماكرو-اقتصادية إلى رفاه ملموس للأسر، وهو ما يفسر التذمر المجتمعي المستمر والتشكيك في الأرقام الرسمية المسوقة من قبل الحكومات المتعاقبة.
التنزيل الميداني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية: دراسة حالة عمالة طنجة أصيلة
يعد تتبع برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مرحلتها الثالثة (2019-2023) مدخلاً أساسياً لتقييم مدى التزام الدولة بعصرنة العمل الاجتماعي ومواجهة معيقات النمو الفردي والجماعي.
| البرنامج القطاعي للمبادرة (طنجة أصيلة) | عدد المشاريع | التكلفة الإجمالية (بالدرهم) | مساهمة المبادرة (بالدرهم) |
| تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية | 11 | 8,100,000 | 8,100,000 |
| مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة | 41 | 12,728,200 | 12,728,200 |
| تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب | 5 | 9,880,000 | 9,880,000 |
| الدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة | 9 | 14,437,672 | 14,437,672 |
| دعم تنفيذ وتسيير مشاريع المبادرة | - | 1,150,000 | 1,150,000 |
| المجموع الإجمالي للتدخلات | 66 | 46,295,872 | 46,295,872 |
وتتوزع المشاريع التفصيلية لهذه البرامج بشكل دقيق لتغطية مختلف القطاعات الاجتماعية الحيوية في العمالة.
وفي قطاع الصحة، ركزت التدخلات على تجهيز دار الأمومة بتكلفة 223,807 دراهم واقتناء 7 آلات لتصفية الدم لفائدة مرضى القصور الكلوي بتكلفة 1.035 مليون درهم.
وتستهدف هذه المشاريع في جوهرها تحقيق الإدماج السوسيو-اقتصادي للفئات الأكثر عرضة للإقصاء، مثل النساء في وضعية هشة، والسجناء السابقين بدون موارد، والمتسولين والمتشردين، والمدمنين المعوزين، والأطفال المتخلي عنهم وأطفال الشوارع.
عوائق التخطيط الترابي في الجماعات: أزمة الموارد وعقبة التبعية المركزية
تظهر الدراسة الميدانية للتدبير المالي للجماعات الترابية بالمغرب أن رهان التخطيط لبناء تنمية مستدامة يصطدم بعقبات مالية وبنيوية تحول دون تحويل برامج العمل من وثائق استشرافية إلى مشاريع منجزة على أرض الواقع.
ويتعمق هذا العجز المالي الجماعي عند تحليل بنية الرسوم المحلية؛ حيث تسهم الرسوم المحلية المدبرة مباشرة من طرف الدولة لخدمة الجماعات بـ 72% من مجموع المبالغ غير المستخلصة (الباقي استخلاصه) بقيمة تناهز 607.7 مليون درهم، مقابل 28% فقط للموارد الذاتية للجماعات بقيمة 237.8 مليون درهم.
ولا تقتصر عقبات التخطيط على الجانب المالي، بل تمتد لتشمل عوائق قانونية وإدارية وتنظيمية بالغة الأثر.
نموذج التقييم الكمي للمشاريع الترابية: منظومة تنقيط جماعة أكادير
لتجاوز اختلالات الإنجاز وتأخر البرمجة، عمدت بعض الحواضر المغربية الكبرى، كجماعة أكادير، إلى ابتكار أدوات ومنظومات تقييم كمية تهدف إلى إرساء الشفافية والنجاعة في تتبع مشاريع برنامج العمل وتحديد أولويات التمويل والتنفيذ.
| طبيعة المشروع المقترح في برنامج العمل | المرحلة التدبيرية والمسطرية المنجزة | النسبة المئوية الممنوحة للتنقيط | التنقيط التراكمي الإجمالي للمشروع |
| المشاريع المستلزمة لتسوية العقار وإنجاز الدراسات | مصادقة المجلس الجماعي على مقرر تعبئة العقار | 5% | 5% |
| اجتماع اللجنة الإدارية للتقويم والمصادقة عليه | 5% | 10% | |
| التعاقد الفعلي على تعبئة العقار ونقل ملكيته | 5% | 15% | |
| إعداد دفتر التحملات الخاص بالدراسات التقنية | 5% | 20% | |
| إتمام الدراسات وإعداد ملف طلب العروض للأشغال | 20% | 40% | |
| الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع | 60% | 100% | |
| المشاريع المستلزمة للدراسات دون تسوية عقارية | إعداد دفتر التحملات المتعلق بالدراسات التقنية | 10% | 10% |
| إتمام الدراسات وإعداد ملف طلب العروض للأشغال | 20% | 30% | |
| الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع | 70% | 100% | |
| المشاريع الجاهزة غير المستلزمة لعقار أو دراسات | إعداد ملف طلب العروض والصفقات العمومية | 40% | 40% |
| الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع | 60% | 100% |
تسمح هذه المنظومة التقييمية الكمية للمدبر الجماعي والشركاء بتجاوز عشوائية البرمجة الميزانياتية السنوية، حيث تُمنح الأولوية التمويلية في الميزانية السنوية للمشاريع التي حققت تنقيطاً تراكمياً متقدماً في المراحل التحضيرية والمسطرية.
معوقات الهياكل المساعدة: مأزق اللامركزية الفرعية ونظام المقاطعات
تزداد تحديات التخطيط الترابي تعقيداً في الحواضر الست الكبرى الخاضعة لنظام وحدة المدينة والمقاطعات (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، سلا، فاس، مراكش)، حيث كشفت تقارير المجالس الرقابية عن تداخل مسطري وقانوني يفرز نوعاً من الفرملة المؤسساتية التي تعوق نجاعة البرامج المحلية.
| الجماعة الترابية الخاضعة لنظام وحدة المدينة | إحالة برنامج العمل على المقاطعات لإبداء الرأي | إشراك المقاطعات في تتبع وتقييم مشاريع القرب | طبيعة التخطيط المعتمد في تدخلات المقاطعات |
| جماعة فاس | تمت الإحالة طبقاً للمقتضيات القانونية | غير مفعل بشكل منهجي | برامج سنوية تدخلية مؤقتة |
| جماعة الدار البيضاء | لم تتم الإحالة قبل التصويت | مفعل عبر إشراك ندوة رؤساء المقاطعات | تفتقر لرؤية استراتيجية مسبقة |
| جماعة سلا | لم تتم الإحالة قبل التصويت | مفعل عبر إشراك ندوة رؤساء المقاطعات | اعتماد برامج سنوية لبعض المقاطعات |
| جماعة الرباط | لم تتم الإحالة قبل التصويت | غير مفعل بالكامل | غياب الرؤية التدبيرية المسبقة |
| جماعة طنجة | لم تتم الإحالة قبل التصويت | غير مفعل بالكامل | غياب الرؤية التدبيرية المسبقة |
| جماعة مراكش | لم تتم الإحالة قبل التصويت | غير مفعل بالكامل | اعتماد برامج سنوية للتدخلات |
وتتكامل هذه المؤشرات السلبية لتظهر أن المقاطعات لا تتوفر على ميزانيات مستقلة، بل على مخصصات إجمالية للتسيير يحدد مجلس الجماعة قيمتها وطريقة توزيعها، مع احتفاظ رئيس المجلس الجماعي بكامل الاختصاص في المصادقة على صفقات التجهيز والقدرة على الحلول محل رئيس المقاطعة لصرف النفقات الإلزامية.
ورغم تضمن برامج عمل الجماعات الكبرى لمشاريع وتجهيزات عمومية يؤول تدبيرها مستقبلاً للمقاطعات، إلا أنه يُسجل إقصاء شبه كلي لهذه الأخيرة من لجان التقييم والتتبع وصرف نفقات مشاريع القرب، مما يفسر غياب رؤية استراتيجية واضحة لأغلب المقاطعات واقتصار دورها على تدبير التدخلات اليومية البسيطة والخدمات الإدارية الروتينية.
التشريح الرقابي والمالي: تقارير المفتشية العامة والمحاكم المالية
تعكس التقارير الرسمية والافتحاصية الصادرة عن المفتشية العامة للإدارة الترابية لوزارة الداخلية والمحاكم المالية صورة قاتمة للاختلالات التدبيرية والمالية التي تشل حركية التخطيط الترابي بالجماعات.
وتظهر البيانات الإجمالية لحصيلة أنشطة المفتشية العامة للإدارة الترابية برسم سنة 2025 حجماً هائلاً لتدخلات المراقبة والافتحاص والتقييم للحد من التجاوزات المالية والإدارية.
| تصنيف المهام والتدابير الرقابية (IGAT 2025) | عدد المهام المنجزة | تفاصيل الإجراءات التصحيحية والمتابعات القضائية |
| مهام افتحاص شؤون المجالس الجماعية | 80 مهمة | شملت الخروقات الإدارية والتقنية والمالية للمنتخبين |
| مهام مراقبة تدخلات الإدارة الترابية | 57 مهمة | توزعت بين مهام جديدة وتدابير متأخرة من سنة 2024 |
| مهام تدقيق العمليات المالية والمحاسباتية | 30 مهمة | استهدفت مالية الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات |
| إجمالي المهام الرقابية المنجزة | 143 مهمة | أسفرت عن اتخاذ 84 إجراء تصحيحياً للمخالفات المرصودة |
| الإحالات القضائية على المحاكم (44%) | 37 إحالة | توزعت بين القضاء الإداري والمالي والجنائي |
| - المحاكم الإدارية (23%) | 19 إحالة | استهدفت عزل الرؤساء والأعضاء المتورطين في مخالفات جسيمة |
| - المحاكم الجنائية والنيابة العامة (15%) | 13 إحالة | تعلقت بجرائم تبديد واختلاس أموال عمومية وتزوير صفقات |
| - المجالس الجهوية للحسابات (6%) | 5 إحالات | ارتبطت بمسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية |
| التوصيات التقويمية والإدارية (56%) | 47 توصية | وُجهت للحالات الأقل جسامة لتعديل المساطر ومنع تكرار الخطأ |
وتتطابق هذه النتائج الرقابية مع تقييم المجلس الأعلى للحسابات للمشاريع العمومية المتعثرة، والذي أُنجز على مرحلتين؛ حيث انتهت الأولى سنة 2020 وشملت جرداً وتقييماً شاملاً لجميع المشاريع التي تواجه صعوبات تنفيذية، بينما استمرت المرحلة الثانية حتى نهاية أبريل 2021 لتحديد الأثر المالي والتنموي الفعلي لهذه المهام الرقابية.
وقد خلص التشريح المالي للمجلس إلى وجود مئات المشاريع المعطلة نتيجة ضعف الدراسات القبلية، والنزاعات العقارية، وعدم التزام الأطراف الشريكة بتعهداتها التمويلية.
التنزيل الميداني لمخططات التنمية: دراسة حالة جماعة جرسيف
يمثل برنامج عمل جماعة جرسيف برسم سنة 2021 نموذجاً ميدانياً كاشفاً لآليات تنفيذ المشاريع التنموية والتحديات المالية والتقنية التي تواجهها الجماعات المتوسطة لتنزيل التزاماتها التخطيطية.
| طبيعة المشروع التنموي المبرمج في برنامج العمل | التكلفة المالية الإجمالية (بالدرهم) | الشركاء ومصادر التمويل | نسبة الإنجاز المالي والتقني |
| برنامج التنمية التجارية والصناعية والسياحية | |||
| - إنشاء منطقة الأنشطة الاقتصادية بمدينة جرسيف | 28,700,000 | جماعة جرسيف وشركاء قطاعيين | 0% (متعثر لغياب الاعتمادات) |
| - إحداث قرية للصناعة التقليدية | 10,360,000 | وزارة الصناعة التقليدية والجماعة | 0% (متعثر لغياب التمويل) |
| - بناء سوق نموذجي لبيع السمك | 2,400,000 | وزارة الفلاحة والصيد والجماعة | 0% (في طور الدراسة والتمويل) |
| - بناء مجازر بلدية جديدة بمواصفات حديثة | 8,000,000 | الجماعة والشركاء | 0% (متأخر لعدم توفر العقار) |
| برنامج التأهيل الحضري والتجهيزات الأساسية | |||
| - تزويد مدينة جرسيف بالماء الصالح للشرب من سد تاركة أومادي | 383,000,000 | المكتب الوطني للماء والكهرباء والشركاء | 30% (مشروع ممتد عبر سنوات) |
| - تقوية سعة تخزين وتعزيز شبكة توزيع الماء الصالح للشرب | 41,500,000 | المكتب الوطني للماء والجماعة | 100% (منجز بالكامل) |
| - بناء مستودع بلدي للأموات بمستشفى المدينة | 1,200,000 | وزارة الصحة والجماعة | 100% (منجز بالكامل) |
| - إحداث فضاء صحي وقائي مخصص للشباب | 900,000 | وزارة الصحة والجماعة | 100% (منجز بالكامل) |
| - توسيع وتجهيز مؤسسة ابن الهيثم التعليمية | 1,500,000 | الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين | 100% (منجز بالكامل) |
| - توسيع وإعادة تأهيل ثانوية المستقبل | 2,500,000 | الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين | 100% (منجز بالكامل) |
| - بناء مسجد جامع بالقطب الحضري الجديد لجرسيف | 4,000,000 | وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية | 100% (منجز بالكامل) |
| - إنشاء مدرسة متخصصة للتعليم العتيق | 23,000,000 | وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية | 100% (منجز بالكامل) |
| - تهيئة وتأهيل وسط المدينة والشارع الرئيسي | 54,000,000 | وزارة السكنى وسياسة المدينة والجماعة | 18% (متعثر بسبب توقف التمويل) |
| برنامج الحكامة والتنمية البشرية وتحديث الإدارة | |||
| - تنمية الموارد البشرية وتطوير مهارات موظفي الجماعة | 500,000 | ميزانية التسيير الذاتية للجماعة | 100% (منجز بالكامل) |
يظهر التحليل النقدي لحصيلة جماعة جرسيف أن مشاريع الشراكات الكبرى المرتبطة بقطاعات التعليم، والمياه، والأوقاف حققت نسب إنجاز متميزة بلغت 100% بفضل الالتزام المالي الصارم للشركاء المركزيين.
آفاق الحكامة الترابية والتحول الرقمي والرقابة الذاتية
يتطلب رسم ملامح المستقبل التنموي للجماعات الترابية الانتقال من آليات الرقابة التقليدية الزجرية اللاحقة إلى منظومة متكاملة من التدقيق الداخلي، والرقابة الذاتية الوقائية، والتحول الرقمي الشامل للمساطر التدبيرية.
وتظهر النتائج القضائية للمحاكم المالية برسم سنتي 2024-2025 الأثر البيداغوجي والوقائي لهذه المنظومات الرقمية؛ إذ أصدرت المحاكم المالية 4452 قراراً وحكماً نهائياً في شأن البت وتدقيق حسابات المحاسبين العموميين.
[القرارات والأحكام النهائية الصادرة: 4452]
│
┌───────────────────────┴───────────────────────┐
▼ ▼
[قرارات إبراء الذمة: 4235] [حالات العجز: 217]
(النسبة: 95% من الأحكام) (النسبة: 5% من الأحكام)
│ │
▼ ▼
[مطابقة محاسبية ممتازة بفعل الرقمنة] [قيمة العجز الإجمالي: 57,882,097 درهماً]
│
▼
[أسباب العجز المحكوم به]
┌───────────────────────┴───────────────────────┐
▼ ▼
[إغفال تحصيل الموارد: 95%] [أخطاء صحة النفقة: 5%]
(التقصير في الجباية المحلية) (تدقيق ورقمنة النفقات الفعالة)
ويكشف هذا التحليل الإحصائي أن تعميم الأنظمة المعلوماتية ونشر القواعد المستنبطة من الاجتهاد القضائي للمحاكم المالية قد نجح في تقليص الاختلالات المرتبطة بإنفاق المال العام إلى حدها الأدنى (5% فقط من مبالغ العجز المحكوم بها)، بينما تظل المعضلة الأساسية كامنة في تقصير الآمرين بالصرف والمحاسبين في تفعيل مساطر تحصيل الموارد الجبائية والذاتية للجماعات بنسبة تناهز 95%.
ورغم هذا التحسن التدبيري، يظل التوجه نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة ومكافحة الفساد الجسيم ثابتاً لا رجعة فيه؛ حيث أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات 20 ملفاً تكتسي صبغة جنائية على النيابة العامة لدى محكمة النقض برسم السنتين ذاتهما، همت 13 جماعة ترابية و6 مؤسسات عمومية.
الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية لإصلاح مسار التخطيط الترابي
يكشف التحليل النسقي لمسار التخطيط الترابي بالمملكة المغربية منذ انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 وإرساء برامج العمل الجماعية سنة 2015 عن واقع معقد تطبعه ثنائية لافتة للنظر؛ فمن جهة، نجحت الدولة في بناء إطار تشريعي وتنظيمي حديث يتطابق مع أرقى المعايير الدولية للحكامة الترابية والديمقراطية التشاركية والتدبير المالي المرتكز على الأهداف والنتائج.
ولتقويم هذا الاعوجاج التنموي والانتقال بالتخطيط الترابي من الطموح النظري والشكلي الإلزامي إلى الأجرأة والتنفيذ الميداني الفعال، يتعين صياغة وتفعيل جملة من السياسات والتوصيات الاستراتيجية المترابطة:
أولاً، يتوجب مراجعة وتحديث الهندسة المالية للجماعات الترابية عبر إصلاح المنظومة الجبائية المحلية بشكل جذري لتوسيع الوعاء الضريبي وتفعيل آليات التحصيل الجبري للرسوم المحلية، بما يضمن تقليص حجم المبالغ غير المستخلصة (الباقي استخلاصه) التي تستحوذ الجماعات على 99% من قيمتها الوطنية.
ثانياً، يتعين مأسسة آلية "التعاقد الإلزامي متعدد الأطراف" كشرط أساسي للمصادقة على برامج عمل الجماعات.
ثالثاً، يبرز الإصلاح الإداري والبشري للجماعات الترابية كأولوية قصوى لا غنى عنها؛ إذ يجب تفعيل إعادة هيكلة حقيقية للوظيفة العمومية المحلية عبر فتح قنوات التوظيف والتحفيز المادي لاستقطاب الكفاءات المتخصصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي، والتدبير المالي الحديث، والرقمنة والمحاسبة التحليلية، مع تعزيز التكوين المستمر للأطر التقنية المحلية لتمكينها من مهارات إعداد دفاتر التحملات، وتتبع الصفقات، وإنجاز دراسات الجدوى والنجاعة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشاريع.
رابعاً، يتطلب إرساء حكامة ترابية مندمجة إعادة النظر في القوانين المنظمة للوحدات الإدارية الفرعية، وخاصة نظام المقاطعات في المدن الكبرى الخاضعة لوحدة المدينة.
خامساً، يجب ترسيخ البعد الاستشرافي والمستدام في تصور وتصميم التجهيزات الأساسية والمرافق العمومية الجماعية.
سادساً، يتوجب تعميم وتطوير أدوات التدقيق الداخلي وأنظمة الرقابة الذاتية والتحول الرقمي الشامل داخل البنيات الإدارية الجماعية.

: