رحلة التحول: صراع الأرقام وصناعة المستقبل المقاربة التاريخية والمفاهيمية للتخطيط الترابي في المغرب

 


رحلة التحول: صراع الأرقام وصناعة المستقبل

المقاربة التاريخية والمفاهيمية للتخطيط الترابي في المغرب

شكل إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في الثامن عشر من ماي سنة 2005 حدثاً مؤسساً في تاريخ السياسات العمومية بالمملكة المغربية، حيث دشن انتقالاً استراتيجياً من التدبير المركزي العمودي للملفات الاجتماعية إلى هندسة تنموية أفقية تضع العنصر البشري في صلب أولوياتها. ولم تكن هذه المبادرة مجرد برنامج مرحلي أو ظرفي عابر، بل صُممت كورش مستمر يرتكز على قيم المشاركة، والاستمرارية، والحكامة الجيدة الموجهة بثقافة النتائج. وتكامل هذا المسار مع تطور مفهوم التخطيط الاستراتيجي في الفكر التدبيري الحديث، والذي يُعرف علمياً بأنه دراسة منظومية للواقع بمختلف أبعاده عبر منهجية تشخيص نقط القوة والضعف والفرص والتحديات، وصياغة برامج عملية واقعية قابلة للقياس والتحيين. ويتلاقى هذا التوجه التشاركي مع الطرح الفلسفي الهيغلي الذي يرى في المجتمع المدني قطاعاً ثالثاً حيوياً يؤسس لعلاقة تعاقدية حرة بين الأفراد والدولة، مما يمنح التخطيط المحلي شرعيته المجتمعية والتنفيذية.

وفي سياق مأسسة هذا الفكر التخطيطي، عرفت القوانين التنظيمية للمملكة تحولات هامة؛ حيث نص الميثاق الجماعي لسنة 2009 في مادته السادسة والثلاثين على إلزامية إعداد "المخطط الجماعي للتنمية" لمدة ست سنوات كوثيقة تحدد الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة. ومع صدور دستور سنة 2011 وإقرار القوانين التنظيمية للجماعات الترابية سنة 2015، انتقل المشرع بموجب المادة الثامنة والسبعين من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات إلى جيل جديد من آليات التخطيط أُطلق عليه "برنامج عمل الجماعة". ويحدد هذا البرنامج الأعمال التنموية المقرر إنجازها أو المساهمة فيها بتراب الجماعة خلال مدة ست سنوات، ويتم إعداده في السنة الأولى من انتداب المجلس بانسجام مع توجهات برنامج التنمية الجهوية وبتنسيق وثيق مع سلطات الوصاية الممثلة في العمال والولاة.

وتحقيقاً للشفافية وتكريساً للديمقراطية التشاركية، أخضع المشرع مسلسل إعداد برنامج العمل لمساطر قانونية صارمة حددها المرسوم رقم 2.16.301 الصادر في 29 يونيو 2016. وتشمل هذه المساطر اتخاذ رئيس المجلس الجماعي قراراً بإعداد البرنامج يتضمن الجدولة الزمنية للعملية، مع وجوب تعليق هذا القرار بمقر الجماعة داخل أجل خمسة عشر يوماً من تاريخ انعقاد الاجتماع الإخباري والتشاوري، وتبليغه إلى عامل الإقليم أو العمالة داخل الأجل ذاته. كما أوجب المشرع عرض مشروع برنامج العمل على اللجان الدائمة للمجلس لدراسته قبل ثلاثين يوماً على الأقل من تاريخ عقد الدورة المخصصة للمصادقة عليه، ليرفق مقرر المصادقة بمنظومة دقيقة لتتبع البرامج والمشاريع.

صراع الأرقام: تشريح نقدي لمؤشرات التنمية البشرية والقدرة الشرائية

تكشف قراءة المعطيات الإحصائية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمندوبية السامية للتخطيط عن صراع أرقام حاد يعكس الفجوة بين الطموح التخطيطي والواقع المعيش. فرغم أن المغرب حافظ في تقرير التنمية البشرية لعام 2025 على تصنيفه ضمن فئة الدول ذات "التنمية البشرية المرتفعة" بقيمة دليل بلغت 0.710، مستقراً في المرتبة 120 عالمياً، إلا أن التفاصيل البنيوية للمؤشر تظهر اختلالات مقلقة تعوق بناء تنمية مستدامة ومندمجة. وتشير التقديرات الدولية إلى أن ما يقارب 25% من إمكانات التنمية البشرية في المغرب تظل غير محققة بسبب الفوارق الصارخة في توزيع الدخل.

ويبرز التفاوت الصارخ أيضاً في مؤشر عدم المساواة بين الجنسين؛ إذ يحتل المغرب المرتبة 113 عالمياً بمؤشر يبلغ 0.539، حيث يسجل دليل التنمية البشرية للنساء 0.642 مقابل 0.748 للرجال. ويعود هذا التمييز الهيكلي أساساً إلى ضعف مشاركة الإناث في النشاط الاقتصادي، حيث يصل الفارق في الدخل بين الجنسين إلى نسبة تفوق واحد إلى أربعة. وعلى مستوى الاستهلاك والرفاه الاقتصادي، شهدت القدرة الشرائية للمواطنين تقلبات عنيفة خلال السنوات الأخيرة؛ فبينما سجلت سنة 2020 انكماشاً واضحاً في مستوى الرفاه المتوسط بنسبة بلغت -5.4% نتيجة الجائحة، تلاها تآكل إضافي بنسبة -2.5% سنة 2022، لم يسهم التعافي الاستثنائي المسجل في سنتي 2021 و2023 في تحقيق مكاسب حقيقية مستدامة، نظراً لأن الوتيرة المتوسطة لنمو الدخل البالغة 2.3% سنوياً تظل غير كافية لامتصاص الصدمات التضخيمية، رغم وصول الدخل الخام المتاح للفرد إلى حوالي 24,800 درهم سنة 2022 بنمو اسمي بلغ 4.1%.

المؤشر التنموي والاقتصاديالقيمة المسجلةدلالات المؤشر وأثره الهيكلي
دليل التنمية البشرية الإجمالي (HDI)0.710

تصنيف المغرب في المرتبة 120 عالمياً ضمن فئة التنمية المرتفعة

الهدر التنموي الناتج عن الفوارق25%

نسبة الفرص التنموية الضائعة بسبب التفاوت في الدخل

دليل التنمية البشرية الخاص بالإناث0.642

يعكس ضعف النشاط الاقتصادي وتدني الأجور الموجهة للنساء

دليل التنمية البشرية الخاص بالذكور0.748

يظهر تمركز الفرص الاقتصادية والتشغيلية لدى الرجال

مؤشر عدم المساواة بين الجنسين (GII)0.539

تصنيف المغرب في المرتبة 113 عالمياً في الفوارق الجندرية

معدل تراجع القدرة الشرائية (2020)-5.4%

انكماش حاد في مستوى الرفاه المتوسط للمواطنين

معدل تراجع القدرة الشرائية (2022)-2.5%

تآكل إضافي ناجم عن الموجة التضخمية والظروف الجيوسياسية

معدل النمو السنوي المتوسط للدخل2.3%

نسبة غير كافية لإحداث تحول حقيقي في المعيش اليومي

الدخل الخام المتاح للفرد (2022)24,800 درهم

يعكس القيمة الاسمية المتوسطة للدخل قبل احتساب التضخم المرتفع

تؤكد هذه البيانات الإحصائية أن السياسات العمومية المتبعة لم تنجح بشكل كامل في تحويل المنجزات الماكرو-اقتصادية إلى رفاه ملموس للأسر، وهو ما يفسر التذمر المجتمعي المستمر والتشكيك في الأرقام الرسمية المسوقة من قبل الحكومات المتعاقبة. وتكشف هذه المفارقة عن حاجة ملحة لمقاربة تنفيذ أكثر تكاملاً تضمن الربط الفعلي بين التمويلات والنتائج التنموية الميدانية.

التنزيل الميداني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية: دراسة حالة عمالة طنجة أصيلة

يعد تتبع برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مرحلتها الثالثة (2019-2023) مدخلاً أساسياً لتقييم مدى التزام الدولة بعصرنة العمل الاجتماعي ومواجهة معيقات النمو الفردي والجماعي. وترتكز هذه المرحلة على أربعة برامج رئيسية تهدف إلى تدارك الخصاص في البنيات التحتية، ومواكبة الفئات الهشة، وتحسين دخل الشباب، والدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة. وتظهر الحصيلة المالية والتقنية لتدخلات المبادرة بتراب عمالة طنجة أصيلة توازناً دقيقاً في توزيع المشاريع يعكس أولويات الهندسة الاجتماعية للمنطقة.

البرنامج القطاعي للمبادرة (طنجة أصيلة)عدد المشاريعالتكلفة الإجمالية (بالدرهم)مساهمة المبادرة (بالدرهم)
تدارك الخصاص في البنيات التحتية والخدمات الأساسية118,100,000

8,100,000

مواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة4112,728,200

12,728,200

تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب59,880,000

9,880,000

الدفع بالتنمية البشرية للأجيال الصاعدة914,437,672

14,437,672

دعم تنفيذ وتسيير مشاريع المبادرة-1,150,000

1,150,000

المجموع الإجمالي للتدخلات6646,295,872

46,295,872

وتتوزع المشاريع التفصيلية لهذه البرامج بشكل دقيق لتغطية مختلف القطاعات الاجتماعية الحيوية في العمالة. ففي قطاع الأنشطة المدرة للدخل، تم تخصيص مشروع لتمويل ومواكبة مشاريع الشباب بمركز التكوين لإنعاش المشاريع "منصة الشباب" بتكلفة 5 ملايين درهم، بالإضافة إلى تهيئة وتجهيز محلات للمشاريع المدرة للدخل بمركزي الصداقة وحي البرانص بتكلفة 800 ألف درهم. وفي قطاع التعليم، تم تخصيص 18 مشروعاً بتكلفة إجمالية بلغت 21,663,865 درهماً، شملت إنشاء وحدات للتعليم الأولي بالوسط القروي (7 مشاريع بتكلفة 6.3 مليون درهم)، وتجهيز ودعم تسيير وحدات إضافية، وتوفير النقل المدرسي بالوسط القروي (5 مشاريع بتكلفة 900 ألف درهم)، واقتناء اللوازم المدرسية بتكلفة 9.81 مليون درهم، فضلاً عن تهيئة دار الطالب بتكلفة 350 ألف درهم.

وفي قطاع الصحة، ركزت التدخلات على تجهيز دار الأمومة بتكلفة 223,807 دراهم واقتناء 7 آلات لتصفية الدم لفائدة مرضى القصور الكلوي بتكلفة 1.035 مليون درهم. أما قطاع الرعاية الاجتماعية ومحاربة الهشاشة، فقد استحوذ على 37 مشروعاً بتكلفة بلغت 11,993,200 درهم، تضمنت بناء مركز استقبال الأشخاص بدون مأوى بحي سيدي بوعبيد بتكلفة 4.07 مليون درهم، وتهيئة وتجهيز المراكز الاجتماعية القائمة، ودعم الجمعيات الشريكة المسيرة لهذه المراكز، وتجهيز دار الطفل واقتناء وسائل النقل المخصصة للمستفيدين. وشملت مشاريع التكوين الاحترافي تهيئة وتجهيز مركز التكوين في المهن الرياضية بالقرية الرياضية، وإنشاء ورشات لتكوين الشباب بمركز الصداقة، وتجهيز مركز تقوية قدرات الشباب بحي مرشان بتكلفة إجمالية بلغت 4.08 مليون درهم، بالإضافة إلى تخصيص 200 ألف درهم لتقوية قدرات أطر الجمعيات المسيرة للمراكز.

وتستهدف هذه المشاريع في جوهرها تحقيق الإدماج السوسيو-اقتصادي للفئات الأكثر عرضة للإقصاء، مثل النساء في وضعية هشة، والسجناء السابقين بدون موارد، والمتسولين والمتشردين، والمدمنين المعوزين، والأطفال المتخلي عنهم وأطفال الشوارع. ورغم أهمية هذه التدخلات الميدانية في تقليص نسب الفقر التي تستهدف المبادرة خفضها بنسبة 30% في الجماعات الأكثر فقراً بالوسط القروي، إلا أن استدامة هذه الاستثمارات تظل رهينة بمدى قدرة الهياكل الجماعية على تبني وتسيير هذه التجهيزات بعد انتهاء فترة تمويل المبادرة.

عوائق التخطيط الترابي في الجماعات: أزمة الموارد وعقبة التبعية المركزية

تظهر الدراسة الميدانية للتدبير المالي للجماعات الترابية بالمغرب أن رهان التخطيط لبناء تنمية مستدامة يصطدم بعقبات مالية وبنيوية تحول دون تحويل برامج العمل من وثائق استشرافية إلى مشاريع منجزة على أرض الواقع. ويبرز الاختلال البنيوي الأول في ضعف الموارد المالية الذاتية للجماعات وهيمنة الموارد المحولة من طرف الدولة. وتكشف البيانات الإحصائية لجهة الشرق برسم سنة 2016، والتي تضم 132 جهازاً ترابياً بين جماعات وعمالات وأقاليم، عن تمركز مالي حاد؛ إذ تستحوذ الأجهزة التابعة لعمالة وجدة أنكاد وإقليمي بركان والناظور على حوالي 59% من مجموع المداخل الإجمالية و61% من المصاريف الإجمالية للجهة، في حين لا تتعدى حصة الأقاليم الخمسة المتبقية (تاوريرت، جرادة، فجيج، جرسيف، الدريوش) ما بين 6% و10% من المداخل الإجمالية للجهة.

ويتعمق هذا العجز المالي الجماعي عند تحليل بنية الرسوم المحلية؛ حيث تسهم الرسوم المحلية المدبرة مباشرة من طرف الدولة لخدمة الجماعات بـ 72% من مجموع المبالغ غير المستخلصة (الباقي استخلاصه) بقيمة تناهز 607.7 مليون درهم، مقابل 28% فقط للموارد الذاتية للجماعات بقيمة 237.8 مليون درهم. وتتحمل الجماعات الحصة الأكبر من هذا العجز الضريبي بنسبة تعادل 99% من مجموع الباقي استخلاصه على صعيد الجهة، مقابل نسب ضئيلة جداً لا تتعدى 0.21% للعمالات والأقاليم و0.17% لمجلس الجهة. ويؤدي هذا الضعف الهيكلي في تحصيل الجبايات المحلية، والذي يتجاوز في بعض الحالات الفردية للجماعات الترابية سقف 10 ملايين درهم، إلى تقييد ميزانيات الجماعات وحصرها في تغطية نفقات التسيير الإلزامية، مما يلغي تماماً ميزانيات التجهيز التي تمثل القاعدة الأساسية لتمويل مشاريع برامج العمل. وتتكرر هذه الوضعية في جهات أخرى كجهة سوس ماسة، حيث تضطر بعض الأجهزة الترابية للاعتماد على تحويلات مالية ضخمة من الجزء الثاني للميزانية بلغت 82.7 مليون درهم لتغطية العجز البنيوي لميزانية التسيير.

ولا تقتصر عقبات التخطيط على الجانب المالي، بل تمتد لتشمل عوائق قانونية وإدارية وتنظيمية بالغة الأثر. فمن الناحية الإدارية، تسجل الوظيفة العمومية المحلية نقصاً حاداً في الأطر المتخصصة المؤهلة لإدارة وتتبع المشاريع التنموية، حيث تعاني المصالح التقنية والمالية للجماعات فوضى تنظيمية وغياباً شبه تام لأدلة المساطر والمحاسبة التحليلية وسجلات جرد الممتلكات. كما يفتقد التدبير الجماعي لسلطة الإلزام تجاه باقي المتدخلين والقطاعات الوزارية الشريكة؛ حيث تنفرد المصالح المركزية للدولة بوضع مخططات وطنية قطاعية يتوجب على الجماعات الانضباط لها، مما يقيد حريتها التخطيطية ويلزمها بتنزيل تصورات مسقطة لا تنسجم غالباً مع خصوصيات البيئة الترابية المحلية ومطالب الساكنة.

نموذج التقييم الكمي للمشاريع الترابية: منظومة تنقيط جماعة أكادير

لتجاوز اختلالات الإنجاز وتأخر البرمجة، عمدت بعض الحواضر المغربية الكبرى، كجماعة أكادير، إلى ابتكار أدوات ومنظومات تقييم كمية تهدف إلى إرساء الشفافية والنجاعة في تتبع مشاريع برنامج العمل وتحديد أولويات التمويل والتنفيذ. وترتكز هذه المقاربة التدبيرية على إخضاع كل مشروع مقترح لعملية تنقيط تراكمية دقيقة ترتبط بمدى تقدم المساطر الإدارية والعقارية والتقنية، مما يسمح بتحويل التقييم النوعي التقديري إلى مؤشرات رقمية قابلة للقياس والمقارنة.

طبيعة المشروع المقترح في برنامج العملالمرحلة التدبيرية والمسطرية المنجزةالنسبة المئوية الممنوحة للتنقيطالتنقيط التراكمي الإجمالي للمشروع
المشاريع المستلزمة لتسوية العقار وإنجاز الدراساتمصادقة المجلس الجماعي على مقرر تعبئة العقار5%

5%

اجتماع اللجنة الإدارية للتقويم والمصادقة عليه5%

10%

التعاقد الفعلي على تعبئة العقار ونقل ملكيته5%

15%

إعداد دفتر التحملات الخاص بالدراسات التقنية5%

20%

إتمام الدراسات وإعداد ملف طلب العروض للأشغال20%

40%

الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع60%

100%

المشاريع المستلزمة للدراسات دون تسوية عقاريةإعداد دفتر التحملات المتعلق بالدراسات التقنية10%

10%

إتمام الدراسات وإعداد ملف طلب العروض للأشغال20%

30%

الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع70%

100%

المشاريع الجاهزة غير المستلزمة لعقار أو دراساتإعداد ملف طلب العروض والصفقات العمومية40%

40%

الإنجاز الفعلي للأشغال وتسلّم المشروع60%

100%

تسمح هذه المنظومة التقييمية الكمية للمدبر الجماعي والشركاء بتجاوز عشوائية البرمجة الميزانياتية السنوية، حيث تُمنح الأولوية التمويلية في الميزانية السنوية للمشاريع التي حققت تنقيطاً تراكمياً متقدماً في المراحل التحضيرية والمسطرية. وتسهم هذه الآلية التدبيرية في الحد من ظاهرة المشاريع المجهضة أو المتعثرة نتيجة غياب الدراسات أو عدم تسوية الوعاء العقاري قبل إطلاق الصفقات، وهي الملاحظة التي لطالما سجلتها المحاكم المالية كأحد الهوامش الكبرى لتبديد الاعتمادات الاستثمارية للجماعات.

معوقات الهياكل المساعدة: مأزق اللامركزية الفرعية ونظام المقاطعات

تزداد تحديات التخطيط الترابي تعقيداً في الحواضر الست الكبرى الخاضعة لنظام وحدة المدينة والمقاطعات (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، سلا، فاس، مراكش)، حيث كشفت تقارير المجالس الرقابية عن تداخل مسطري وقانوني يفرز نوعاً من الفرملة المؤسساتية التي تعوق نجاعة البرامج المحلية. ويشير التشريح الرقابي لهذه البنيات الفرعية إلى أن محدودية الاستقلال المالي والإداري للمقاطعات يمثل العائق الأساسي أمام تحقيق تنمية محلية مندمجة وقريبة من المواطن.

الجماعة الترابية الخاضعة لنظام وحدة المدينةإحالة برنامج العمل على المقاطعات لإبداء الرأيإشراك المقاطعات في تتبع وتقييم مشاريع القربطبيعة التخطيط المعتمد في تدخلات المقاطعات
جماعة فاس

تمت الإحالة طبقاً للمقتضيات القانونية

غير مفعل بشكل منهجي

برامج سنوية تدخلية مؤقتة

جماعة الدار البيضاء

لم تتم الإحالة قبل التصويت

مفعل عبر إشراك ندوة رؤساء المقاطعات

تفتقر لرؤية استراتيجية مسبقة

جماعة سلا

لم تتم الإحالة قبل التصويت

مفعل عبر إشراك ندوة رؤساء المقاطعات

اعتماد برامج سنوية لبعض المقاطعات

جماعة الرباط

لم تتم الإحالة قبل التصويت

غير مفعل بالكامل

غياب الرؤية التدبيرية المسبقة

جماعة طنجة

لم تتم الإحالة قبل التصويت

غير مفعل بالكامل

غياب الرؤية التدبيرية المسبقة

جماعة مراكش

لم تتم الإحالة قبل التصويت

غير مفعل بالكامل

اعتماد برامج سنوية للتدخلات

وتتكامل هذه المؤشرات السلبية لتظهر أن المقاطعات لا تتوفر على ميزانيات مستقلة، بل على مخصصات إجمالية للتسيير يحدد مجلس الجماعة قيمتها وطريقة توزيعها، مع احتفاظ رئيس المجلس الجماعي بكامل الاختصاص في المصادقة على صفقات التجهيز والقدرة على الحلول محل رئيس المقاطعة لصرف النفقات الإلزامية. وتتأكد هذه الفرملة الإدارية بحرمان رؤساء المقاطعات من صلاحية تنظيم إداراتهم أو تعيين وإعفاء الموظفين العاملين لديهم، لتظل هذه الصلاحية حكراً على عمدة المدينة.

ورغم تضمن برامج عمل الجماعات الكبرى لمشاريع وتجهيزات عمومية يؤول تدبيرها مستقبلاً للمقاطعات، إلا أنه يُسجل إقصاء شبه كلي لهذه الأخيرة من لجان التقييم والتتبع وصرف نفقات مشاريع القرب، مما يفسر غياب رؤية استراتيجية واضحة لأغلب المقاطعات واقتصار دورها على تدبير التدخلات اليومية البسيطة والخدمات الإدارية الروتينية.

التشريح الرقابي والمالي: تقارير المفتشية العامة والمحاكم المالية

تعكس التقارير الرسمية والافتحاصية الصادرة عن المفتشية العامة للإدارة الترابية لوزارة الداخلية والمحاكم المالية صورة قاتمة للاختلالات التدبيرية والمالية التي تشل حركية التخطيط الترابي بالجماعات. فقد كشفت تسريبات لجان التفتيش المنجزة حول جماعات بجهات الدار البيضاء-سطات وبني ملال-خنيفرة والشرق عن تجاوزات مالية ومحاسباتية بالغة الخطورة شملت ضعف مسك دفاتر الحسابات الرسمية وسجلات الجرد بالمخازن الجماعية، وتفويت حراسة ومراقبة التجهيزات الحيوية لأطر غير مؤهلة. كما توقف المفتشون عند لجوء رؤساء جماعات إلى اعتماد جذاذات برنامج Excel بدلاً من المنظومة الرقمية الرسمية لتتبع المقتنيات والمخازن، وإغفال تحيين السجلات الدورية، وغياب التنسيق مع الخازن الإقليمي، مما فتح الباب لتلاعبات واسعة في مواد البناء والتوريدات المشبوهة كالإسمنت والرمال والحديد والمعدات الكهربائية. وتمثل الاختلالات البسيطة، كغياب محطات تخزين الوقود والاستعمال المشبوه لبونات البنزين، نموذجاً يومياً لهدر المال العام، مما يضطر بعض الجماعات لتدارك هذا الخلل عبر تجارب بديلة كاستعمال شيكات البنزين وسجلات لوحة القيادة لكل سيارة جماعية على حدة.

وتظهر البيانات الإجمالية لحصيلة أنشطة المفتشية العامة للإدارة الترابية برسم سنة 2025 حجماً هائلاً لتدخلات المراقبة والافتحاص والتقييم للحد من التجاوزات المالية والإدارية.

تصنيف المهام والتدابير الرقابية (IGAT 2025)عدد المهام المنجزةتفاصيل الإجراءات التصحيحية والمتابعات القضائية
مهام افتحاص شؤون المجالس الجماعية80 مهمة

شملت الخروقات الإدارية والتقنية والمالية للمنتخبين

مهام مراقبة تدخلات الإدارة الترابية57 مهمة

توزعت بين مهام جديدة وتدابير متأخرة من سنة 2024

مهام تدقيق العمليات المالية والمحاسباتية30 مهمة

استهدفت مالية الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات

إجمالي المهام الرقابية المنجزة143 مهمة

أسفرت عن اتخاذ 84 إجراء تصحيحياً للمخالفات المرصودة

الإحالات القضائية على المحاكم (44%)37 إحالة

توزعت بين القضاء الإداري والمالي والجنائي

- المحاكم الإدارية (23%)19 إحالة

استهدفت عزل الرؤساء والأعضاء المتورطين في مخالفات جسيمة

- المحاكم الجنائية والنيابة العامة (15%)13 إحالة

تعلقت بجرائم تبديد واختلاس أموال عمومية وتزوير صفقات

- المجالس الجهوية للحسابات (6%)5 إحالات

ارتبطت بمسطرة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية

التوصيات التقويمية والإدارية (56%)47 توصية

وُجهت للحالات الأقل جسامة لتعديل المساطر ومنع تكرار الخطأ

وتتطابق هذه النتائج الرقابية مع تقييم المجلس الأعلى للحسابات للمشاريع العمومية المتعثرة، والذي أُنجز على مرحلتين؛ حيث انتهت الأولى سنة 2020 وشملت جرداً وتقييماً شاملاً لجميع المشاريع التي تواجه صعوبات تنفيذية، بينما استمرت المرحلة الثانية حتى نهاية أبريل 2021 لتحديد الأثر المالي والتنموي الفعلي لهذه المهام الرقابية.

وقد خلص التشريح المالي للمجلس إلى وجود مئات المشاريع المعطلة نتيجة ضعف الدراسات القبلية، والنزاعات العقارية، وعدم التزام الأطراف الشريكة بتعهداتها التمويلية. ويتعزز هذا التعثر بإغفال الجماعات لكلف الاستغلال والصيانة عند تصميم المشاريع، مما يحول التجهيزات المنجزة إلى أصول ميتة معطلة الاستعمال فور تسلمها. وتزداد أهمية هذه الخلاصات الرقابية في ظل التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لـ 29 يوليوز 2025 والخطاب الملكي لافتتاح الدورة التشريعية في 10 أكتوبر 2025، والتي دعت بحزم إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة يقطع مع الاختلالات السابقة عبر ربط التمويل بالنتائج الفعلية.

التنزيل الميداني لمخططات التنمية: دراسة حالة جماعة جرسيف

يمثل برنامج عمل جماعة جرسيف برسم سنة 2021 نموذجاً ميدانياً كاشفاً لآليات تنفيذ المشاريع التنموية والتحديات المالية والتقنية التي تواجهها الجماعات المتوسطة لتنزيل التزاماتها التخطيطية. ويعكس رصد الميزانيات المخصصة ونسب الإنجاز الفعلي للمشاريع المبرمجة التفاوت الواضح بين البرامج التجارية والاقتصادية الطموحة والمشاريع البنيوية المرتبطة بالتجهيزات الأساسية.

طبيعة المشروع التنموي المبرمج في برنامج العملالتكلفة المالية الإجمالية (بالدرهم)الشركاء ومصادر التمويلنسبة الإنجاز المالي والتقني
برنامج التنمية التجارية والصناعية والسياحية
- إنشاء منطقة الأنشطة الاقتصادية بمدينة جرسيف28,700,000جماعة جرسيف وشركاء قطاعيين

0% (متعثر لغياب الاعتمادات)

- إحداث قرية للصناعة التقليدية10,360,000وزارة الصناعة التقليدية والجماعة

0% (متعثر لغياب التمويل)

- بناء سوق نموذجي لبيع السمك2,400,000وزارة الفلاحة والصيد والجماعة

0% (في طور الدراسة والتمويل)

- بناء مجازر بلدية جديدة بمواصفات حديثة8,000,000الجماعة والشركاء

0% (متأخر لعدم توفر العقار)

برنامج التأهيل الحضري والتجهيزات الأساسية
- تزويد مدينة جرسيف بالماء الصالح للشرب من سد تاركة أومادي383,000,000المكتب الوطني للماء والكهرباء والشركاء

30% (مشروع ممتد عبر سنوات)

- تقوية سعة تخزين وتعزيز شبكة توزيع الماء الصالح للشرب41,500,000المكتب الوطني للماء والجماعة

100% (منجز بالكامل)

- بناء مستودع بلدي للأموات بمستشفى المدينة1,200,000وزارة الصحة والجماعة

100% (منجز بالكامل)

- إحداث فضاء صحي وقائي مخصص للشباب900,000وزارة الصحة والجماعة

100% (منجز بالكامل)

- توسيع وتجهيز مؤسسة ابن الهيثم التعليمية1,500,000الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين

100% (منجز بالكامل)

- توسيع وإعادة تأهيل ثانوية المستقبل2,500,000الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين

100% (منجز بالكامل)

- بناء مسجد جامع بالقطب الحضري الجديد لجرسيف4,000,000وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

100% (منجز بالكامل)

- إنشاء مدرسة متخصصة للتعليم العتيق23,000,000وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

100% (منجز بالكامل)

- تهيئة وتأهيل وسط المدينة والشارع الرئيسي54,000,000وزارة السكنى وسياسة المدينة والجماعة

18% (متعثر بسبب توقف التمويل)

برنامج الحكامة والتنمية البشرية وتحديث الإدارة
- تنمية الموارد البشرية وتطوير مهارات موظفي الجماعة500,000ميزانية التسيير الذاتية للجماعة

100% (منجز بالكامل)

يظهر التحليل النقدي لحصيلة جماعة جرسيف أن مشاريع الشراكات الكبرى المرتبطة بقطاعات التعليم، والمياه، والأوقاف حققت نسب إنجاز متميزة بلغت 100% بفضل الالتزام المالي الصارم للشركاء المركزيين. وفي المقابل، تعثرت بالكامل مشاريع التنمية الاقتصادية والتجارية (المنطقة الصناعية، قرية الصناعة التقليدية، المجازر، سوق السمك) التي تقع تحت المسؤولية التدبيرية والتمويلية المباشرة للجماعة نتيجة العجز المالي التقديري وغياب الموارد الذاتية لتعبئة العقار والتمويل الذاتي. ويؤكد هذا التباين البنيوي أن التخطيط الجماعي يفقد فاعليته ويتحول إلى حبر على ورق عندما تفتقر الجماعة الترابية لآليات التمويل المستقلة وتظل تابعة للتحويلات المركزية المتذبذبة.

آفاق الحكامة الترابية والتحول الرقمي والرقابة الذاتية

يتطلب رسم ملامح المستقبل التنموي للجماعات الترابية الانتقال من آليات الرقابة التقليدية الزجرية اللاحقة إلى منظومة متكاملة من التدقيق الداخلي، والرقابة الذاتية الوقائية، والتحول الرقمي الشامل للمساطر التدبيرية. ويبرز التدقيق الداخلي كأداة استراتيجية لمساعدة الإدارات المحلية على حماية أصولها، وتجويد خدماتها، وضمان مطابقة قراراتها مع النصوص القانونية قبل وقوع الاختلالات. ويساعد هذا النمط التدبيري الحديث على تحديد مكامن الضعف والقصور في الرقابة الذاتية وتقييم نجاعة استخدام الموارد المادية والبشرية. وتلعب الأنظمة المعلوماتية الحديثة، كمنظومة التدبير المندمج للنفقات (GID) ومنظومة التدبير المندمج للمداخيل (GIR)، دوراً حاسماً في إرساء الشفافية المالية والحد من الأخطاء التدبيرية.

وتظهر النتائج القضائية للمحاكم المالية برسم سنتي 2024-2025 الأثر البيداغوجي والوقائي لهذه المنظومات الرقمية؛ إذ أصدرت المحاكم المالية 4452 قراراً وحكماً نهائياً في شأن البت وتدقيق حسابات المحاسبين العموميين.

                       [القرارات والأحكام النهائية الصادرة: 4452]
                                         │
                 ┌───────────────────────┴───────────────────────┐
                 ▼                                               ▼
     [قرارات إبراء الذمة: 4235]                           [حالات العجز: 217]
       (النسبة: 95% من الأحكام)                           (النسبة: 5% من الأحكام)
                 │                                               │
                 ▼                                               ▼
[مطابقة محاسبية ممتازة بفعل الرقمنة]               [قيمة العجز الإجمالي: 57,882,097 درهماً]
                                                                 │
                                                                 ▼
                                                  [أسباب العجز المحكوم به]
                                         ┌───────────────────────┴───────────────────────┐
                                         ▼                                               ▼
                             [إغفال تحصيل الموارد: 95%]                     [أخطاء صحة النفقة: 5%]
                            (التقصير في الجباية المحلية)                  (تدقيق ورقمنة النفقات الفعالة)

ويكشف هذا التحليل الإحصائي أن تعميم الأنظمة المعلوماتية ونشر القواعد المستنبطة من الاجتهاد القضائي للمحاكم المالية قد نجح في تقليص الاختلالات المرتبطة بإنفاق المال العام إلى حدها الأدنى (5% فقط من مبالغ العجز المحكوم بها)، بينما تظل المعضلة الأساسية كامنة في تقصير الآمرين بالصرف والمحاسبين في تفعيل مساطر تحصيل الموارد الجبائية والذاتية للجماعات بنسبة تناهز 95%.

ورغم هذا التحسن التدبيري، يظل التوجه نحو ربط المسؤولية بالمحاسبة ومكافحة الفساد الجسيم ثابتاً لا رجعة فيه؛ حيث أحال الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات 20 ملفاً تكتسي صبغة جنائية على النيابة العامة لدى محكمة النقض برسم السنتين ذاتهما، همت 13 جماعة ترابية و6 مؤسسات عمومية. وتتكامل هذه التدابير مع دور لجنة اليقظة الاستراتيجية كآلية لتتبع التطورات والمخاطر التي تواجه الاقتصاد الوطني، وتأثيراتها المباشرة على مالية الجماعات الترابية واستقرارها التنموي.

الاستنتاجات والتوصيات الاستراتيجية لإصلاح مسار التخطيط الترابي

يكشف التحليل النسقي لمسار التخطيط الترابي بالمملكة المغربية منذ انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 وإرساء برامج العمل الجماعية سنة 2015 عن واقع معقد تطبعه ثنائية لافتة للنظر؛ فمن جهة، نجحت الدولة في بناء إطار تشريعي وتنظيمي حديث يتطابق مع أرقى المعايير الدولية للحكامة الترابية والديمقراطية التشاركية والتدبير المالي المرتكز على الأهداف والنتائج. ومن جهة أخرى، يواجه التنزيل الميداني لهذه الترسانة القانونية عوائق بنيوية وهيكلية حادة جعلت الكثير من وثائق التخطيط الترابي تراوح مكانها داخل رفوف الجماعات المحلية، لتظل الفلسفة التنموية المندمجة والمستدامة عاجزة عن إحداث تحول نوعي ينعكس بشكل إيجابي ومستدام على المعيش اليومي للمواطن وقدرته الشرائية ومؤشرات رفاهه الاجتماعي.

ولتقويم هذا الاعوجاج التنموي والانتقال بالتخطيط الترابي من الطموح النظري والشكلي الإلزامي إلى الأجرأة والتنفيذ الميداني الفعال، يتعين صياغة وتفعيل جملة من السياسات والتوصيات الاستراتيجية المترابطة:

أولاً، يتوجب مراجعة وتحديث الهندسة المالية للجماعات الترابية عبر إصلاح المنظومة الجبائية المحلية بشكل جذري لتوسيع الوعاء الضريبي وتفعيل آليات التحصيل الجبري للرسوم المحلية، بما يضمن تقليص حجم المبالغ غير المستخلصة (الباقي استخلاصه) التي تستحوذ الجماعات على 99% من قيمتها الوطنية. ويسهم هذا الإصلاح في تمكين الجماعات من موارد ذاتية مستقرة تؤسس لميزانيات تجهيز حقيقية قادرة على تمويل المشاريع المسطرة في برامج العمل دون ارتهان كلي للتحويلات المركزية المتذبذبة.

ثانياً، يتعين مأسسة آلية "التعاقد الإلزامي متعدد الأطراف" كشرط أساسي للمصادقة على برامج عمل الجماعات. ويتطلب ذلك ربط وثائق التخطيط الجماعية باتفاقيات وعقود-برامج ملزمة قانوناً وزمنياً للقطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية الشريكة، مع إخضاع المشاريع المقترحة لمنظومات تنقيط كمية صارمة تحدد مدى جاهزية الدراسات التقنية والوضعية العقارية قبل البرمجة المالية. وتضمن هذه الآلية تحقيق الالتقائية الفعلية والحد من ظاهرة المشاريع المعطلة نتيجة تراجع الشركاء عن التزاماتهم التمويلية.

ثالثاً، يبرز الإصلاح الإداري والبشري للجماعات الترابية كأولوية قصوى لا غنى عنها؛ إذ يجب تفعيل إعادة هيكلة حقيقية للوظيفة العمومية المحلية عبر فتح قنوات التوظيف والتحفيز المادي لاستقطاب الكفاءات المتخصصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي، والتدبير المالي الحديث، والرقمنة والمحاسبة التحليلية، مع تعزيز التكوين المستمر للأطر التقنية المحلية لتمكينها من مهارات إعداد دفاتر التحملات، وتتبع الصفقات، وإنجاز دراسات الجدوى والنجاعة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشاريع.

رابعاً، يتطلب إرساء حكامة ترابية مندمجة إعادة النظر في القوانين المنظمة للوحدات الإدارية الفرعية، وخاصة نظام المقاطعات في المدن الكبرى الخاضعة لوحدة المدينة. ويجب منح مجالس المقاطعات ورؤسائها استقلالاً تدبيرياً ومالياً مرناً عبر تخويلهم صلاحيات تسييرية وتقريرية واضحة في نفقات التجهيز المرتبطة بمشاريع القرب وصيانة البنيات التحتية المحلية، مع فرض إشراكهم الفعلي والمنهجي في إعداد وتتبع وتقييم برامج عمل الجماعات وتفعيل ندوة رؤساء المقاطعات كبنية مساعدة أساسية للقيادة.

خامساً، يجب ترسيخ البعد الاستشرافي والمستدام في تصور وتصميم التجهيزات الأساسية والمرافق العمومية الجماعية. ويفرض ذلك دمج تقديرات كلف الاستغلال والصيانة الدورية ضمن بطاقات المشاريع منذ مرحلة التصور التقني والمالي القبلي، وربط إطلاق الصفقات بتوفير الموارد المالية والبشرية المستدامة المسؤولة عن تدبير وصيانة هذه المنشآت بعد تسلمها الفعلي، تفادياً لهدر الرساميل الاستثمارية في مشاريع سرعان ما تتعطل وتخرج عن الخدمة نتيجة غياب الصيانة.

سادساً، يتوجب تعميم وتطوير أدوات التدقيق الداخلي وأنظمة الرقابة الذاتية والتحول الرقمي الشامل داخل البنيات الإدارية الجماعية. ويستدعي ذلك تعميم المنظومات المعلوماتية الرسمية للمداخيل والنفقات (GID / GIR) وتطوير قواعد بيانات مرقمنة ومحينة للممتلكات والأرشيف والمخازن الجماعية تمنع التدخل البشري العشوائي واللجوء للجذاذات غير الرسمية. ويسمح هذا التحول الرقمي بإرساء الشفافية والمساءلة الإدارية الفورية، ويوفر لسلطات الرقابة والمحاكم المالية أدوات افتحاص دقيقة تقي المدبرين المحليين الوقوع في الأخطاء المحاسباتية والتقنية البسيطة، لتوجه جهود القضاء المالي والجنائي بصرامة نحو مكافحة ملفات الفساد الجسيم وتبديد المال العام تفعيلاً للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.

: